الشيخ محمد رشيد رضا

249

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الصوريان . ويفشو فيها الجهل ، وتفسد الاخلاق ، وتسوء الاعمال حتى لا يثق الأخ بأخيه ، ولا يثق الابن بأبيه « 1 » فيكون بأس الأمة بينها شديدا ولكنها تذل وتخنع للمستعبدين لها وهذا هو الفساد والهلاك المعنويان ، وفي التاريخ الغابر والحاضر من الآيات والعبر ، ما فيه ذكرى ومزدجر ولما كان هذا المفسد يشهد للّه على هداية قلبه ، عند من يظن أنه يجهل حقيقة أمره ، قال تعالى بعد بيان عمله في الافساد وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ أي ان إفساد هذا المنافق ظاهر في الوجود ، والظاهر عنوان الباطن ، فافساده في عمله دليل على فساد قلبه وكذبه في اشهاد اللّه عليه ( وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ) لأنه لا يحب الفساد . وفي الآية دليل على أن تلك الصفات الظاهرة المحمودة لا تكون محمودة مرضية عند اللّه تعالى إلا إذا أصلح صاحبها عمله فان اللّه تعالى لا ينظر إلى الصور والأقوال ، وانما ينظر إلى القلوب والاعمال ، وهي ترشدنا إلى التمييز بين الناس بأعمالهم وسيرتهم وعدم الاغترار بزخرف القول فان الناس إذا انصرفوا من مجالس القول لم يكن لهم بد من سعي وعمل ، والعمل إما خير وإصلاح ، وإما شر وإفساد ، وكل إناء ينضح بما فيه ولما كان الافساد يصدر تارة عن الجهل وسوء الفهم ، وأحيانا عن فساد الفطرة وسوء القصد ، وكان من يعمل السوء بجهالة سريع التوبة ، مبادرا إلى قبول النصيحة ، وكان شأن الآخر الاصرار على ذنبه ، كالمستهزيء بربه ، ذكر من صفة المفسد ما يميز بينه وبين المخطيء * * * فقال وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ أي أنه إذا أمر بمعروف أو نهي عن منكر يسرع اليه الغضب ، ويعظم

--> ( 1 ) من أعجب عبر الفساد في الاخلاق ما نقل الينا عن بعض المفسدين الذين تعجبك أقوالهم في الحياة الدنيا أنه قال لاحد هؤلاء الولاة : لا يسلم لك ملكك وتستقر عظمتك إلا إذا نفيت من بلادك أخي وفلانا وفلانا : ونقل عنه أيضا أنه قال للوالي : إن ابني فلانا يهجوك مع فلان وفلان . وتلك غاية في الافساد لم تكن تخطر في بال أحد من العباد .